الشيخ محمد رشيد رضا

243

الوحي المحمدي

ورأيت بعض المشتغلين بالفقه يقولون : إن الاسترقاق والسبي من حقوق المحاربين الخاصة لا من حقوق أولي الأمر العامة ، فليس للإمام الأعظم ولا للقائد العام في الحرب المفوض من قبله مع أركان حربه أن يجبروا المقاتلين على المن عليهم ، ولا على الفداء بهم لاقتضاء المصلحة العامة لأحد الأمرين ، بدليل أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يجبر المسلمين على التخلي عن سبى هوازن إجبارا ، بل جعله بتطييب أنفسهم له ، ووعد من لا تطيب نفسه بترك حصته بالتعويض عليه . وفي هذا الفهم غلط من وجوه كثيرة « منها » أن مثل هذه المسألة إذا لم تكن من المصالح العامة التي تناط أولي الأمر فليس في الأمم مصالح عامة قط . « ومنها » أنه يعارض نصا في القرآن بواقعة حال عملية ، « ومنها » أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جمع في تلك الحال بين حكمة الدين ورحمته العامة ، وبين تربية المسلمين التي اقتضاها الزمان والمكان ، والقوة والضعف في الإيمان ، وحال طلقاء مكة والمؤلفة قلوبهم في إظهار الإسلام ، فوعد وفد هوازن بإحدى الطائفتين - الغنائم أو السبي - مع علمه بأنهم يختارون السبي . ثم إنه أعطى المؤلفة قلوبهم من الغنائم أكثر من غيرهم ، ولم يعط الأنصار شيئا وقد فصّلنا ذلك في تفسير الآيتين ( 25 ، 26 ) من سورة التوبة « 1 » . وإنما تكون مصلحة الاسترقاق أرجح من هاتين المصلحتين - أي المن على الأسرى والفداء بهم في حالات قليلة لا تدوم كأن يكون المحاربون للمسلمين قوما قليلي العدد كبعض قبائل البدو يقتل رجالهم كلهم أو جلهم . فإذا ترك النساء والأطفال والضعفاء من الرجال لأنفسهم لا يكون لهم قدرة على الاستقلال في حياتهم فيكون الخير لهم أن يكفلهم الغالبون ويقوموا بشئونهم المعاشية ، ثم تجرى عليهم أحكام الطريقة الثانية في تحريرهم وقد يتسترون بالنساء فيكن أمهات أولاد وربات بيوت فحرائر ، أو محصنات من الفواحش مكفيات أمر المعيشة على الأقل ، وكذلك الأطفال يكفلهم المسلمون ويربونهم على عقائد الإسلام وفضائله ، ثم ينالهم العتق في الغالب لما سيأتي في وجوهه ، فيكونون كسائر أحرار المسلمين علماء وأغنياء وحكاما وأمراء . وقد أفضى هذا إلى تغلب العتقى ( الموالى ) من الأعاجم على السيادة والسلطان في الأمة ، بعد إهمال هداية الدين في دولها . وقد سنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأمته ترجيح المن على الأسارى والسبايا بالعتق قولا وعملا في غزوة بنى المصطلق ، وغزوة فتح مكة ، وغزوة حنين كما هو مفصل في كتب السيرة النبوية

--> ( 1 ) راجع صفحة 257 ج 10 تفسير المنار .